قمري الزهراء
08-08-2008, 02:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم بذكرك أستفتح مقالي، وبشكرك أستنجح سؤالي، وعليك أتوكل(1) في كل أحوالي، وإياك آمل(2) فلا تخيب آمالي. اللهم بذكرك أستعيذ وأعتصم(3) وبركنك ألوذ وأتحزم، وبقوتك أستجير وأستنصر، وبنورك أهتدي وأستبصر وإياك أستعين وأعبد، وإليك أقصد وأعمد، وبك أخاصم وأجادل، ومنك أطلب ما أحاول، فأعني يا خير المعينين، وقنى المكاره كلها يا رجاء المؤمنين. الحمد لله المذكور بكل لسان، المشكور على كل إحسان، المعبود في كل مكان، مدبر الامور، ومقدر الدهور، والعالم بما تجنه(4) البحور، وتكنه(5) الصدور، ويخفيه الظلام، ويبديه النور الذي حار في علمه العلماء، وسلم لحكمه الحكماء، وتواضع لعزته العظماء، وفاق بسعة فضله الكرماء، وساد(6) بعظيم حلمه الحلماء، والحمد لله الذي لا يخفر من انتصر بذمته، ولا يقهر من استتر بعظمته ، ولا يكدي(7) من أذاع شكر نعمته، ولا يهلك من تغمده(8) برحمته ذي المنن التي لا يحصيها العادون، والنعم التي لا يجازيها المجتهدون والصنائع التي لا يستطيع دفعها الجاحدون، والدلائل التي يستبصر بنورها الموجودون، أحمده جاهرا بحمده، شاكرا لرفده، حمد موفق لرشده، واثق بوعده(9) له الشكر الدائم، والامر اللازم. اللهم إياك أسأل، وبك أتوسل، وعليك أتوكل، وبفضلك أغتنم، وبحبلك أعتصم، وفي رحمتك أرغب، ومن نقمتك أرهب، و بعونك(10) أستعين، ولعظمتك أستكين. اللهم أنت الولي المرشد، والغني المرفد، والعون المؤيد، الراحم الغفور، والعاصم المجير، والقاصم المبير(11) والخالق الحكيم(12) والرازق الكريم، والسابق القديم.
علمت فخبرت، وحلمت فسترت، ورحمت فغفرت، وعظمت فقهرت، وملكت فاستأثرت(13) وأدركت فاقتدرت، وحكمت فعدلت، وأنعمت فأفضلت، وأبدعت فأحسنت، وصنعت فأتقنت، وجدت فأغنيت، وأيدت(14) فكفيت، وخلقت فسويت، ووفقت فهديت.
بطنت الغيوب(15) فخبرت مكنون(16) أسرارها، وحلت بين القلوب وبين تصرفها على اختيارها، فأيقنت البرايا أنك مدبرها وخالقها، وأذعنت(17) أنك مقدرها ورازقها، لا إله إلا أنت تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا. اللهم إني أشهدك وأنت أقرب الشاهدين، وأشهد من حضرني من ملائكتك المقربين، وعبادك الصالحين، من الجنة والناس أجمعين. أني أشهد بسريرة زكية، وبصيرة من الشك برية، شهادة أعتقدها بإخلاص وإيقان، وأعدها طمعا في الخلاص والامان، أسرها تصديقا بربوبيتك، وأظهرها تحقيقا لوحدانيتك(18) لا أصد عن سبيلها، ولا ألحد في تأويلها، إنك أنت الله ربي لا أشرك بك أحدا، ولا أجد من دونك ملتحدا(19) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الذي لا يدخل في عدد، والفرد الذي لا يقاس بأحد، علا عن المشاكلة والمناسبة(20) وخلا من الاولاد والصاحبة، سبحانه من خالق ما أصنعه، ورازق ما أوسعه، وقريب ما أرفعه، ومجيب ما أسمعه، وعزيز ما أمنعه " له المثل الاعلى في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم "(1 2).
وأشهد أن محمدا نبيه المرسل، ووليه المفضل، وشهيده المعدل(22) المؤيد بالنور المضي، والمسدد بالامر المرضي، بعثه بالاوامر الشافية، والزواجر الناهية، والدلائل الهادية، التي أوضح برهانها، وشرح بيانها(23) في كتاب مهيمن على كل كتاب، جامع لكل رشد وصواب، فيه نبأ القرون(24) وتفصيل الشؤون، وفرض الصلاة والصيام، والفرق بين الحلال والحرام، فدعى إلى خير سبيل، وشفى من هيام الغليل، حتى علا الحق وظهر، وزهق الباطل وانحسر(25) صلى الله عليه وآله صلاة دائمة ممهدة، لا تنقضي لها مدة، ولا تنحصر لها عدة.
اللهم صل على محمد وآل محمد ماجرت النجوم في الابراج وتلاطمت البحور بالامواج، وما ادلهم ليل داج(26) وأشرق نهار ذو ابتلاج(27) وصل عليه وآله ما تعاقبت الايام، وتناوبت الاعوام، وما خطرت الاوهام، وتدبرت الافهام، وما بقي الانام. اللهم صل على محمد خاتم الانبياء، وآله البررة الاتقياء، وعلى عترته النجباء الخيرة الاصفياء، صلاة مقرونة بالتمام والنماء، وباقية بلا فناء ولا انقضاء. اللهم رب العالمين، وأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين .
أسألك من الشهادة أقسطها(28) ومن العبادة أنشطها، ومن الزيادة أبسطها، ومن الكرامة أغبطها، ومن السلامة أحوطها، ومن الاعمال أوسطها(29) ومن الآمال أوفقها، ومن الاقوال أصدقها، ومن المحال أشرفها، ومن المنازل ألطفها، ومن الحياطة أكنفها(30) ومن الرعاية أعطفها، ومن العصمة أكفاها، ومن الراحة(31) أشفاها، ومن النعمة أوفاها، ومن الهمم أعلاها، ومن القسم أسناها(32) ومن الارزاق أغزرها، ومن الاخلاق أطهرها، ومن المذاهب أقصدها(33) ومن العواقب أحمدها، ومن الامور أرشدها، ومن التدابير أوكدها(34) ومن الجدود(35) أسعدها، ومن الشؤون أعودها(36) ومن الفوائد أرجحها، ومن العوائد أنجحها، ومن الزيادات أتمها، ومن البركات أعمها، ومن الصالحات أعظمها. اللهم إني أسألك قلبا خاشعا زكيا، ولسانا صادقا عليا، ورزقا واسعا هنيا، وعيشا رغدا مريئا. وأعوذ بك من ضنك المعاش، ومن شر كل ساع وواش، وغلبة الاضداد والاوباش(37) وكل قبيح باطن أو فاش. وأعوذ بك من دعاء محجوب، ورجاء مكذوب، وحياء مسلوب .
وإخاء معبوب(38) واحتجاج مغلوب، ورأي غير مصيب.
اللهم أنت المستعان والمستعاذ، وعليك المعول وبك الملاذ، فأنلني لطائف مننك فإنك لطيف، ولا تبتلني بمحنك فإني ضعيف، وتولني بعطف تحننك(39) يا رؤوف، يا من آوى(40) المنقطعين إليه، وأغنى المتوكلين عليه، جد(41) بغناك على فاقتي، ولا تحملني فوق طاقتي. اللهم اجعلني من الذين جدوا(42) في قصدك فلم ينكلوا(43) وسلكوا الطريق إليك فلم يعدلوا، واعتمدوا عليك في الوصول حتى وصلوا، فرويت قلوبهم من محبتك، وأنست نفوسهم بمعرفتك، فلم يقطعهم عنك قاطع، ولا منعهم عن بلوغ ما أملوه لديك مانع، فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون " لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون "(44).
اللهم لك قلبي ولساني، وبك نجاتي وأماني، وأنت العالم بسري و إعلاني، فأمت قلبي عن البغضاء، وأصمت لساني عن الفحشاء، و أخلص سريرتي عن(45) علائق الاهواء، واكفني(46) بأمانك من عوائق الضراء.
واجعل سري معقودا على مراقبتك، وإعلاني موافقا لطاعتك ، وهب لي جسما روحانيا، وقلبا سماويا، وهمة متصلة بك، ويقينا صادقا في حبك، وألهمني من محامدك أمدحها، وهب لي من فوائدك أسمحها، إنك ولي الحمد والمستولي على المجد. يا من لا ينقص ملكوته عصيان المتمردين، ولا يزيد جبروته إيمان الموحدين، إليك أستشفع بقديم كرمك، أ لا تسلبني ما منحتني من جسيم نعمك، واصرفني بحسن نظرك لي عن ورطة المهالك، وعرفني بجميل اختيارك لي منجيات المسالك. يا من قربت رحمته من المحسنين، وأوجب عفوه للاوابين، بلغنا برحمتك غنائم البر والاحسان، وجللنا بنعمتك ملابس العفو والغفران، وأصحب رغباتنا بحياء يقطعها عن الشهوات، واحش(47) قلوبنا نورا يمنعها من الشبهات، وأودع نفوسنا خوف المشفقين من سوء الحساب، ورجاء الواثقين بتوفير الثواب، فلا نغتر بالامهال ولا نقصر في صالح الاعمال، ولا نفتر عن التسبيح بحمدك في الغدو والآصال. يا من آنس العارفين بطول(48) مناجاته، وألبس الخائفين ثوب موالاته. متى فرح من قصدت سواك همته؟ ! ومتى استراح من أرادت غيرك عزيمته؟ ! ومن ذا الذي قصدك بصدق الارادة فلم تشفعه في مراده؟ ! أم من ذا الذي أعتمد عليك في أمره فلم تجد(49) بإسعاده؟ ! أم من ذا الذي استرشدك فلم تمنن بإرشاده؟ ! اللهم عبدك الضعيف الفقير، ومسكينك اللهيف المستجير، عالم أن في قبضتك أزمة التدبير، ومصادر المقادير عن إرادتك وأنك(50) قد أقمت بقدسك حياة لكل شئ، وجعلته نجاة لكل حي، فارزقه من حلاوة مصافاتك ما يصير به إلى مرضاتك، وهب له من خشوع التذلل وخضوع التبتل في رهبة الاخبات(51) وسلامة المحيا والممات، ما تحضره به كفاية المتوكلين، وتميره به رعاية المكفولين، وتعيره(52) به ولاية المتصلين المقبولين. يا من هو أبر بي من الوالد الشفيق، وأقرب إلي من الصاحب اللزيق(53). أنت موضع أنسي في الخلوة إذا أوحشنى المكان، ولفظتني(54) الاوطان، وفارقتني الالاف(55) والجيران، وانفردت في محل ضنك قصير السمك(56) ضيق الضريح(57) مطبق الصفيح، مهول(58) منظره، ثقيل مدره، مستقلة(59) بالوحشة عرصته، مغشاة بالظلمة ساحته، على غير مهاد ولا وساد، ولا تقدمة زاد، ولا اعتداد لمعاد ، فتداركني برحمتك التي وسعت الاشياء أكنافها(60) وجمعت الاحياء أطرافها، وعمت البرايا(61) ألطافها وعد علي بعفوك يا كريم، ولا تؤاخذني بجهلي يا رحيم، اللهم ارحم من اكتنفته سيئاته، وأحاطت به خطيئاته، وحفت به جناياته، بعفوك ارحم من ليس له من عمله شافع، ولا يمنعه من عذابك مانع، ارحم الغافل عما أضله، والذاهل عن الامر الذي خلق له، ارحم من نقض العهد وغدر، وعلى معصيتك انطوى وأصر، وجاهرك بجهله وما استتر، ارحم من ألقى عن رأسه(62) قناع الحياء، وحسر(63) عن ذراعيه(64) جلبات الاتقياء، واجترا على سخطك بارتكاب الفحشاء، فيا من لم يزل عفوا غفارا ارحم من لم يزل مسقطا عثارا(65).
اللهم اغفر لي ما مضى مني، واختم لي بما ترضى به عني، واعقد عزائمي على توبة بك متصلة ولديك متقبلة، تقيلني بها عثراتي، وتستر بها عوراتي، وترحم بها عبراتي، وتجيرني بها إجارة من معاطب(66) انتقامك، وتنيلني بها المسرة بمواهب إنعامك، يوم تبرز الاخبار، و تعظم الاخطار، وتبلى الاسرار، وتهتك الاستار، وتشخص القلوب والابصار " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار "(67) إنك معدن الآلاء والكرم، وصارف اللاواء(68) والنقم، لا إله إلا أنت عليك أعتمد وبك أستعين، وأنت حسبي وكفى بك وكيلا. يا مالك خزائن الاقوات وفاطر أصناف البريات، وخالق سبع طرائق مسلوكات من فوق سبع أرضين مذللات، العالي في وقار العز والمنعة، والدائم في كبرياء الهيبة والرفعة، والجواد بنيله(69) على خلقه من سعة، ليس له حد ولا أمد، ولا يدركه تحصيل ولا عدد، ولا يحيط بوصفه أحد.
الحمد لله خالق أمشاج النسم(70) ومولج الانوار في الظلم، ومخرج الموجود من العدم، والسابق الازلية بالقدم، والجواد على الخلق بسوابغ النعم، والعواد عليهم بالفضل والكرم، الذي لا يعجزه كثرة الانفاق، ولا يمسك خشية الاملاق، ولا ينقصه إدرار الارزاق، ولا يدرك بأناسي الاحداق(71) ولا يوصف بمضامة(72) ولا افتراق.
أحمده على جزيل إحسانه، وأعوذ به من حلول خذلانه، وأستهديه بنور برهانه، وأومن به حق إيمانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي عم الخلائق جدواه(73) وتم حكمه فيمن أضل منهم وهداه، وأحاط علما ، بمن أطاعه وعصاه، واستولى على الملك بعز أبد فحواه، فسبحت له السماوات وأكنافها، والارض وأطرافها، والجبال وأعرافها(74) والشجر وأغصانها، والبحار وحيتانها، والنجوم في مطالعها، والامطار في مواقعها، ووحوش الارض وسباعها، ومدد الانهار وأمواجها، وعذب المياه وأجاجها، وهبوب الرياح(75) وعجاجها وكل ما وقع عليه وصف وتسميه، أو يدركه حد يحويه مما يتصور في الفكر، أو يتمثل بجسم أو قدر، أو ينسب إلى عرض أو جوهر(76) من صغير حقير، أو خطير كبير، مقرا له بالعبودية خاشعا، معترفا له بالوحدانية طائعا، مستجيبا لدعوته خاضعا، متضرعا لمشيته متواضعا، له الملك الذي لا نفاد لديموميته ولا انقضاء لعدته(7 7).
وأشهد أن محمدا عبده الكريم، ورسوله الطاهر المعصوم، بعثه والناس في غمرة(78) الضلالة ساهون، وفي غرة(79) الجهالة لا هون، لا يقولون صدقا ولا يستعملون حقا، قد اكتنفتهم القسوة، وحقت عليهم الشقوة، إلا من أحب الله إنقاذه، ورحمه وأعانه، فقام محمد صلوات الله عليه وآله فيهم مجدا في إنذاره، مرشدا لانواره، بعزم ثاقب(80) وحكم واجب، حتى تألق شهاب الايمان، وتفرق حزب الشيطان ، وأعز الله جنده، وعبد وحده. ثم اختاره الله فرفعه إلى زوج جنته، وفسيح كرامته، فقبضه تقيا زكيا راضيا مرضيا طاهرا نقيا " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم(81) صلى الله عليه وعلى آله وأقربيه، وذوي رحمه ومواليه، صلاة جليلة جزيلة، موصولة مقبولة، لا انقطاع لمزيدها، ولا اتضاع لمشيدها، ولا امتناع لصعودها، تنتهي إلى مقر أرواحهم، ومقام فلاحهم، فيضاعف الله لهم تحياتها، ويشرف لديهم صلواتها، فتتلقاهم مقرونة بالروح والسرور، محفوفة(82) بالنضارة والنور، دائمة بلا فناء(83) ولا فتور.
اللهم اجعل أكمل صلواتك وأشرفها، وأجمل تحياتك وألطفها، وأشمل بركاتك وأعطفها، وأجل هباتك وأرأفها على محمد خاتم النبيين وأكرم المرسلين المبعوث في الاميين، وعلى أهل بيته الاصفياء الطاهرين، وعترته النجباء المختارين، وشيعته الاوفياء الموازرين من أنصاره والمهاجرين، وأدخلنا في شفاعته يوم الدين مع من دخل في زمرته من الموحدين، يا أكرم الاكرمين ويا أرحم الراحمين. اللهم أنت الملك الذي لا يملك(84) والواحد الذي لا شريك لك، يا سامع السر والنجوى، ويا دافع الضر والبلوى، ويا كاشف
العسر والبؤسى، وقابل العذر والعتبى ومسبل الستر على الورى(85) جللني من رأفتك بأمر(86) واق واشملني(87) من رعايتك بركن باق، وأوصلني بعنايتك إلى غاية السباق، واجعلني برحمتك من أهل الرعاية للميثاق، واعمر قلبي بخشية ذوي الاشفاق، يا من لم يزل فعله بي حسنا جميلا، ولم يكن بستره علي بخيلا، ولا بعقوبته علي عجولا، أتمم علي ما ظاهرت من تفضلك، ولا تؤاخذتي بما سترت علي عند نظرك(88).
سيدي كم من نعمة ظللت لانيق بهجتها لابسا، وكم أسديت عندي من يد قد طفقت(89) بهدايتها منافسا، وكم قلدتني من منة ضعفت قواي عن حملها، وذهلت(90) فطنتي عن ذكر فضلها، وعجز شكري عن جزائها، وضقت ذرعا بإحصائها، قابلتك فيها بالعصيان، ونسيت شكر ما أوليتني فيها من الاحسان، فمن اسوء حالا مني إن لم تتداركني بالغفران، وتوزعني شكر ما اصطنعت عندي من فوائد الامتنان؟ ! فلست مستطيعا لقضاء حقوقك إن لم تؤيدني بصحة(91) توفيقك. سيدي لولا نورك عميت عن الدليل، ولولا تبصيرك ضللت عن السبيل، ولولا تعريفك لم أرشد للقبول، ولولا توفيقك لم أهتد إلى معرفة التأويل.
علمت فخبرت، وحلمت فسترت، ورحمت فغفرت، وعظمت فقهرت، وملكت فاستأثرت(13) وأدركت فاقتدرت، وحكمت فعدلت، وأنعمت فأفضلت، وأبدعت فأحسنت، وصنعت فأتقنت، وجدت فأغنيت، وأيدت(14) فكفيت، وخلقت فسويت، ووفقت فهديت.
بطنت الغيوب(15) فخبرت مكنون(16) أسرارها، وحلت بين القلوب وبين تصرفها على اختيارها، فأيقنت البرايا أنك مدبرها وخالقها، وأذعنت(17) أنك مقدرها ورازقها، لا إله إلا أنت تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا. اللهم إني أشهدك وأنت أقرب الشاهدين، وأشهد من حضرني من ملائكتك المقربين، وعبادك الصالحين، من الجنة والناس أجمعين. أني أشهد بسريرة زكية، وبصيرة من الشك برية، شهادة أعتقدها بإخلاص وإيقان، وأعدها طمعا في الخلاص والامان، أسرها تصديقا بربوبيتك، وأظهرها تحقيقا لوحدانيتك(18) لا أصد عن سبيلها، ولا ألحد في تأويلها، إنك أنت الله ربي لا أشرك بك أحدا، ولا أجد من دونك ملتحدا(19) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الذي لا يدخل في عدد، والفرد الذي لا يقاس بأحد، علا عن المشاكلة والمناسبة(20) وخلا من الاولاد والصاحبة، سبحانه من خالق ما أصنعه، ورازق ما أوسعه، وقريب ما أرفعه، ومجيب ما أسمعه، وعزيز ما أمنعه " له المثل الاعلى في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم "(1 2).
وأشهد أن محمدا نبيه المرسل، ووليه المفضل، وشهيده المعدل(22) المؤيد بالنور المضي، والمسدد بالامر المرضي، بعثه بالاوامر الشافية، والزواجر الناهية، والدلائل الهادية، التي أوضح برهانها، وشرح بيانها(23) في كتاب مهيمن على كل كتاب، جامع لكل رشد وصواب، فيه نبأ القرون(24) وتفصيل الشؤون، وفرض الصلاة والصيام، والفرق بين الحلال والحرام، فدعى إلى خير سبيل، وشفى من هيام الغليل، حتى علا الحق وظهر، وزهق الباطل وانحسر(25) صلى الله عليه وآله صلاة دائمة ممهدة، لا تنقضي لها مدة، ولا تنحصر لها عدة.
اللهم صل على محمد وآل محمد ماجرت النجوم في الابراج وتلاطمت البحور بالامواج، وما ادلهم ليل داج(26) وأشرق نهار ذو ابتلاج(27) وصل عليه وآله ما تعاقبت الايام، وتناوبت الاعوام، وما خطرت الاوهام، وتدبرت الافهام، وما بقي الانام. اللهم صل على محمد خاتم الانبياء، وآله البررة الاتقياء، وعلى عترته النجباء الخيرة الاصفياء، صلاة مقرونة بالتمام والنماء، وباقية بلا فناء ولا انقضاء. اللهم رب العالمين، وأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين .
أسألك من الشهادة أقسطها(28) ومن العبادة أنشطها، ومن الزيادة أبسطها، ومن الكرامة أغبطها، ومن السلامة أحوطها، ومن الاعمال أوسطها(29) ومن الآمال أوفقها، ومن الاقوال أصدقها، ومن المحال أشرفها، ومن المنازل ألطفها، ومن الحياطة أكنفها(30) ومن الرعاية أعطفها، ومن العصمة أكفاها، ومن الراحة(31) أشفاها، ومن النعمة أوفاها، ومن الهمم أعلاها، ومن القسم أسناها(32) ومن الارزاق أغزرها، ومن الاخلاق أطهرها، ومن المذاهب أقصدها(33) ومن العواقب أحمدها، ومن الامور أرشدها، ومن التدابير أوكدها(34) ومن الجدود(35) أسعدها، ومن الشؤون أعودها(36) ومن الفوائد أرجحها، ومن العوائد أنجحها، ومن الزيادات أتمها، ومن البركات أعمها، ومن الصالحات أعظمها. اللهم إني أسألك قلبا خاشعا زكيا، ولسانا صادقا عليا، ورزقا واسعا هنيا، وعيشا رغدا مريئا. وأعوذ بك من ضنك المعاش، ومن شر كل ساع وواش، وغلبة الاضداد والاوباش(37) وكل قبيح باطن أو فاش. وأعوذ بك من دعاء محجوب، ورجاء مكذوب، وحياء مسلوب .
وإخاء معبوب(38) واحتجاج مغلوب، ورأي غير مصيب.
اللهم أنت المستعان والمستعاذ، وعليك المعول وبك الملاذ، فأنلني لطائف مننك فإنك لطيف، ولا تبتلني بمحنك فإني ضعيف، وتولني بعطف تحننك(39) يا رؤوف، يا من آوى(40) المنقطعين إليه، وأغنى المتوكلين عليه، جد(41) بغناك على فاقتي، ولا تحملني فوق طاقتي. اللهم اجعلني من الذين جدوا(42) في قصدك فلم ينكلوا(43) وسلكوا الطريق إليك فلم يعدلوا، واعتمدوا عليك في الوصول حتى وصلوا، فرويت قلوبهم من محبتك، وأنست نفوسهم بمعرفتك، فلم يقطعهم عنك قاطع، ولا منعهم عن بلوغ ما أملوه لديك مانع، فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون " لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون "(44).
اللهم لك قلبي ولساني، وبك نجاتي وأماني، وأنت العالم بسري و إعلاني، فأمت قلبي عن البغضاء، وأصمت لساني عن الفحشاء، و أخلص سريرتي عن(45) علائق الاهواء، واكفني(46) بأمانك من عوائق الضراء.
واجعل سري معقودا على مراقبتك، وإعلاني موافقا لطاعتك ، وهب لي جسما روحانيا، وقلبا سماويا، وهمة متصلة بك، ويقينا صادقا في حبك، وألهمني من محامدك أمدحها، وهب لي من فوائدك أسمحها، إنك ولي الحمد والمستولي على المجد. يا من لا ينقص ملكوته عصيان المتمردين، ولا يزيد جبروته إيمان الموحدين، إليك أستشفع بقديم كرمك، أ لا تسلبني ما منحتني من جسيم نعمك، واصرفني بحسن نظرك لي عن ورطة المهالك، وعرفني بجميل اختيارك لي منجيات المسالك. يا من قربت رحمته من المحسنين، وأوجب عفوه للاوابين، بلغنا برحمتك غنائم البر والاحسان، وجللنا بنعمتك ملابس العفو والغفران، وأصحب رغباتنا بحياء يقطعها عن الشهوات، واحش(47) قلوبنا نورا يمنعها من الشبهات، وأودع نفوسنا خوف المشفقين من سوء الحساب، ورجاء الواثقين بتوفير الثواب، فلا نغتر بالامهال ولا نقصر في صالح الاعمال، ولا نفتر عن التسبيح بحمدك في الغدو والآصال. يا من آنس العارفين بطول(48) مناجاته، وألبس الخائفين ثوب موالاته. متى فرح من قصدت سواك همته؟ ! ومتى استراح من أرادت غيرك عزيمته؟ ! ومن ذا الذي قصدك بصدق الارادة فلم تشفعه في مراده؟ ! أم من ذا الذي أعتمد عليك في أمره فلم تجد(49) بإسعاده؟ ! أم من ذا الذي استرشدك فلم تمنن بإرشاده؟ ! اللهم عبدك الضعيف الفقير، ومسكينك اللهيف المستجير، عالم أن في قبضتك أزمة التدبير، ومصادر المقادير عن إرادتك وأنك(50) قد أقمت بقدسك حياة لكل شئ، وجعلته نجاة لكل حي، فارزقه من حلاوة مصافاتك ما يصير به إلى مرضاتك، وهب له من خشوع التذلل وخضوع التبتل في رهبة الاخبات(51) وسلامة المحيا والممات، ما تحضره به كفاية المتوكلين، وتميره به رعاية المكفولين، وتعيره(52) به ولاية المتصلين المقبولين. يا من هو أبر بي من الوالد الشفيق، وأقرب إلي من الصاحب اللزيق(53). أنت موضع أنسي في الخلوة إذا أوحشنى المكان، ولفظتني(54) الاوطان، وفارقتني الالاف(55) والجيران، وانفردت في محل ضنك قصير السمك(56) ضيق الضريح(57) مطبق الصفيح، مهول(58) منظره، ثقيل مدره، مستقلة(59) بالوحشة عرصته، مغشاة بالظلمة ساحته، على غير مهاد ولا وساد، ولا تقدمة زاد، ولا اعتداد لمعاد ، فتداركني برحمتك التي وسعت الاشياء أكنافها(60) وجمعت الاحياء أطرافها، وعمت البرايا(61) ألطافها وعد علي بعفوك يا كريم، ولا تؤاخذني بجهلي يا رحيم، اللهم ارحم من اكتنفته سيئاته، وأحاطت به خطيئاته، وحفت به جناياته، بعفوك ارحم من ليس له من عمله شافع، ولا يمنعه من عذابك مانع، ارحم الغافل عما أضله، والذاهل عن الامر الذي خلق له، ارحم من نقض العهد وغدر، وعلى معصيتك انطوى وأصر، وجاهرك بجهله وما استتر، ارحم من ألقى عن رأسه(62) قناع الحياء، وحسر(63) عن ذراعيه(64) جلبات الاتقياء، واجترا على سخطك بارتكاب الفحشاء، فيا من لم يزل عفوا غفارا ارحم من لم يزل مسقطا عثارا(65).
اللهم اغفر لي ما مضى مني، واختم لي بما ترضى به عني، واعقد عزائمي على توبة بك متصلة ولديك متقبلة، تقيلني بها عثراتي، وتستر بها عوراتي، وترحم بها عبراتي، وتجيرني بها إجارة من معاطب(66) انتقامك، وتنيلني بها المسرة بمواهب إنعامك، يوم تبرز الاخبار، و تعظم الاخطار، وتبلى الاسرار، وتهتك الاستار، وتشخص القلوب والابصار " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار "(67) إنك معدن الآلاء والكرم، وصارف اللاواء(68) والنقم، لا إله إلا أنت عليك أعتمد وبك أستعين، وأنت حسبي وكفى بك وكيلا. يا مالك خزائن الاقوات وفاطر أصناف البريات، وخالق سبع طرائق مسلوكات من فوق سبع أرضين مذللات، العالي في وقار العز والمنعة، والدائم في كبرياء الهيبة والرفعة، والجواد بنيله(69) على خلقه من سعة، ليس له حد ولا أمد، ولا يدركه تحصيل ولا عدد، ولا يحيط بوصفه أحد.
الحمد لله خالق أمشاج النسم(70) ومولج الانوار في الظلم، ومخرج الموجود من العدم، والسابق الازلية بالقدم، والجواد على الخلق بسوابغ النعم، والعواد عليهم بالفضل والكرم، الذي لا يعجزه كثرة الانفاق، ولا يمسك خشية الاملاق، ولا ينقصه إدرار الارزاق، ولا يدرك بأناسي الاحداق(71) ولا يوصف بمضامة(72) ولا افتراق.
أحمده على جزيل إحسانه، وأعوذ به من حلول خذلانه، وأستهديه بنور برهانه، وأومن به حق إيمانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي عم الخلائق جدواه(73) وتم حكمه فيمن أضل منهم وهداه، وأحاط علما ، بمن أطاعه وعصاه، واستولى على الملك بعز أبد فحواه، فسبحت له السماوات وأكنافها، والارض وأطرافها، والجبال وأعرافها(74) والشجر وأغصانها، والبحار وحيتانها، والنجوم في مطالعها، والامطار في مواقعها، ووحوش الارض وسباعها، ومدد الانهار وأمواجها، وعذب المياه وأجاجها، وهبوب الرياح(75) وعجاجها وكل ما وقع عليه وصف وتسميه، أو يدركه حد يحويه مما يتصور في الفكر، أو يتمثل بجسم أو قدر، أو ينسب إلى عرض أو جوهر(76) من صغير حقير، أو خطير كبير، مقرا له بالعبودية خاشعا، معترفا له بالوحدانية طائعا، مستجيبا لدعوته خاضعا، متضرعا لمشيته متواضعا، له الملك الذي لا نفاد لديموميته ولا انقضاء لعدته(7 7).
وأشهد أن محمدا عبده الكريم، ورسوله الطاهر المعصوم، بعثه والناس في غمرة(78) الضلالة ساهون، وفي غرة(79) الجهالة لا هون، لا يقولون صدقا ولا يستعملون حقا، قد اكتنفتهم القسوة، وحقت عليهم الشقوة، إلا من أحب الله إنقاذه، ورحمه وأعانه، فقام محمد صلوات الله عليه وآله فيهم مجدا في إنذاره، مرشدا لانواره، بعزم ثاقب(80) وحكم واجب، حتى تألق شهاب الايمان، وتفرق حزب الشيطان ، وأعز الله جنده، وعبد وحده. ثم اختاره الله فرفعه إلى زوج جنته، وفسيح كرامته، فقبضه تقيا زكيا راضيا مرضيا طاهرا نقيا " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم(81) صلى الله عليه وعلى آله وأقربيه، وذوي رحمه ومواليه، صلاة جليلة جزيلة، موصولة مقبولة، لا انقطاع لمزيدها، ولا اتضاع لمشيدها، ولا امتناع لصعودها، تنتهي إلى مقر أرواحهم، ومقام فلاحهم، فيضاعف الله لهم تحياتها، ويشرف لديهم صلواتها، فتتلقاهم مقرونة بالروح والسرور، محفوفة(82) بالنضارة والنور، دائمة بلا فناء(83) ولا فتور.
اللهم اجعل أكمل صلواتك وأشرفها، وأجمل تحياتك وألطفها، وأشمل بركاتك وأعطفها، وأجل هباتك وأرأفها على محمد خاتم النبيين وأكرم المرسلين المبعوث في الاميين، وعلى أهل بيته الاصفياء الطاهرين، وعترته النجباء المختارين، وشيعته الاوفياء الموازرين من أنصاره والمهاجرين، وأدخلنا في شفاعته يوم الدين مع من دخل في زمرته من الموحدين، يا أكرم الاكرمين ويا أرحم الراحمين. اللهم أنت الملك الذي لا يملك(84) والواحد الذي لا شريك لك، يا سامع السر والنجوى، ويا دافع الضر والبلوى، ويا كاشف
العسر والبؤسى، وقابل العذر والعتبى ومسبل الستر على الورى(85) جللني من رأفتك بأمر(86) واق واشملني(87) من رعايتك بركن باق، وأوصلني بعنايتك إلى غاية السباق، واجعلني برحمتك من أهل الرعاية للميثاق، واعمر قلبي بخشية ذوي الاشفاق، يا من لم يزل فعله بي حسنا جميلا، ولم يكن بستره علي بخيلا، ولا بعقوبته علي عجولا، أتمم علي ما ظاهرت من تفضلك، ولا تؤاخذتي بما سترت علي عند نظرك(88).
سيدي كم من نعمة ظللت لانيق بهجتها لابسا، وكم أسديت عندي من يد قد طفقت(89) بهدايتها منافسا، وكم قلدتني من منة ضعفت قواي عن حملها، وذهلت(90) فطنتي عن ذكر فضلها، وعجز شكري عن جزائها، وضقت ذرعا بإحصائها، قابلتك فيها بالعصيان، ونسيت شكر ما أوليتني فيها من الاحسان، فمن اسوء حالا مني إن لم تتداركني بالغفران، وتوزعني شكر ما اصطنعت عندي من فوائد الامتنان؟ ! فلست مستطيعا لقضاء حقوقك إن لم تؤيدني بصحة(91) توفيقك. سيدي لولا نورك عميت عن الدليل، ولولا تبصيرك ضللت عن السبيل، ولولا تعريفك لم أرشد للقبول، ولولا توفيقك لم أهتد إلى معرفة التأويل.